محمد عمر الحاجي

54

موسوعة التفسير قبل عهد التدوين

اللّه له في القرآن ( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) « 1 » . وأما الدليل الثالث : فلو سلمنا أنه يدل على أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يفسر كل معاني القرآن ، فلا نسلّم أنه يدل على أنه فسّر النادر منه كما هو المدعى . اختيارنا في المسألة : والرأي الذي تميل إليه النفس - بعد أن اتضح لنا مغالاة كل فريق في دعواه وعدم صلاحية الأدلة لإثبات المدعى - هو أن نتوسط بين الرأيين فنقول : إن الرسول صلى اللّه عليه وسلم بيّن الكثير من معاني القرآن لأصحابه ، كما تشهد بذلك كتب الصحاح ، ولم يبين كل معاني القرآن ، لأن من القرآن ما استأثر اللّه تعالى بعلمه ، ومنه ما يعلمه العلماء ، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها ، ومنه ما لا يعذر أحد في جهالته كما صرح بذلك ابن عباس بقوله : التفسير على أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير تعرفه العلماء من كلامها ، وتفسير لا يعلمه إلا اللّه « 2 » . وبدهي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يفسر لهم ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب ، لأن القرآن نزل بلغتهم ، ولم يفسر لهم ما تتبادر الأفهام إلى معرفته وهو الذي لا يعذر أحد بجهله ، لأنه لا يخفى على أحد ، ولم يفسر لهم ما استأثر اللّه بعلمه كقيام الساعة ، وحقيقة الروح ، وغير ذلك من كل ما يجري مجرى الغيوب التي لم يطلع اللّه عليها نبيّه ، وإنما فسّر لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعض المغيبات التي أخفاها اللّه عنهم وأطلعه عليها وأمره ببيانها لهم ، وفسّر لهم أيضا كثيرا مما يندرج تحت

--> ( 1 ) النحل : 44 . ( 2 ) جامع البيان للطبري : 1 / 26 .